مراجعات الكتب

مراجعة كتاب فن اللامبالاة أحمد فؤاد

في الحقيقة أهرب دومًا من الكتب التي يُصنَع من حولها ضجة ما، وهذا الكتاب تحديدًا أخرجته من حساباتي تمامًا بسبب شهرته التي اكتسبها بعد أن تم تصوير اللاعب المصري محمد صلاح أثناء قراءته للكتاب. زاد على ذلك بعض ردود الفعل السلبية التي أوضحت أن الكتاب لا يستحق الضجة التي حصل عليها.

سبب قراءتي للكتاب أخيرًا هو قراءتي لتغريدة لصديق – إن سمح لي بهذا الوصف- يجمعني معه بعض النقاط التي نتفق فيها في هذه الحياة، وهو الأخ العزيز فؤاد الفرحان. كتب في معرض حديثه عن موضوع آخر أن كتاب فن المبالاة مهم وينصح بقراءته. ولأنني أعرف كيف يُفكّر فؤاد فتعجّبت من قوله لكنني كنت مُتأكدّا أن الكتاب بعد هذه التوصية لن يكون مُجرد هراء! وقد كان.

كتاب فن اللامبالاة للكاتب مارك مانسون، هو كتاب يُعتبر من كتب تطوير الذات -التي لا أحبها بالمناسبة- لكنه وياللمفارقة على عكس معظم ما تدعوا هذه الكتب إليه! الكاتب – والذي لي عليه تحفّظات كثيرة أخلاقيًا- هو مُجرد شخص يحكي قصة حياته وكيفية خروجه من دوامة مشاكله النفسية أو استهتاره وضياعه، وكيف تحوّل من مجرد فاشل إلى شخص ناجح على الأقل من وجهة نظره، وكيف تقبّل حياته السابقة بأخطائه وانحرافه، حيث رأى أن هذه الأخطاء كان لها دورًا أن تجعل منه شخصًا أفضل. أو كما قال الكاتب بنفسه في نهاية الفصل الأول، ” سيُعلّمك الكتاب كيف تخسر دون أن تُشكّل الخسارة مصدر قلق عليك، وأن تثق بأن من الممكن أن تسقط على ظهرك وتظل بخير رغم ذلك”.

يُغيّر الكاتب مفهوم السعادة الدارج، إلى أن السعادة هي حالة مستمرة تتلخص في مواجهة المشاكل وحلها بشكل دائم، وأنها ليست شيء سحري يستطيع تغيير حياتنا. فالسعادة تتطلب نضالاً من أجلها، وهي ثمرة مصارعة المشكلات، ولهذا فأنه يجب علينا أن تختر في الحياة ما تكافح من أجله.

يُحرّضنا الكاتب في الكتاب ألا نكون أشخصًا استثنائيين، بل على العكس أن نكون أشخاصًا عاديين، وأن نبتعد عن قيم المجتمع السطحية وأن نتبع قِيمًا جيدة غير زائفة، لأن هذا فقط ما يجعلنا استثنائيين وعظماء حتى ولو كنا أصحاب حياة متواضعة اقتصادية. فقبولنا أننا أشخاصًا عاديين هو ما يؤدي بنا إلى السعادة وترك قلق السعي إلى المكانة الدائم. وبأنه يجب أن ندرك بأننا إن لم نكن مُستعدين للفشل، فإننا غير مستعدين للنجاح أصلًا. وأن المهم في النهاية هو ما سنترك للعالم من بعدنا.

أعجبني تشبيه الموت في قوله” لكن الموت بطريقة غريبة هو الضوء الذي يُقاس به ظل معنى الحياة كله. ولولا وجود الموت لبدا لنا كل شيء معدوم الأهمية، ولصارت القيم والمقاييس كلها صفرًا.”

أما بخصوص من ينتقد الكتاب، والذين أنكروا على الكاتب -في نقدهم- سرد تجربته لأنها شخصية وغير موضوعية، وهذا حقيقة بالفعل. لكن هذا لا يعني أنها بالضرورة خاطئة. العجيب أن معظم هؤلاء هم أنفسهم من يمدحون تجارب ستيف جوبز أو بيل جيتس على سبيل المثال. وبغض النظر عن أن النجاح العملي ليس دليلًا مؤكدًا على سعادة الشخص أو مصداقيته، لكننا يجب أن ندرك أن مثل هذه التجارب جميعها مجرد تجارب حياتية، نستخلص منها الجيد وما يناسبنا، أو نرى فيها فكرة أو قيمة غابت عن أعيننا. أو قد نجد قيمة لدينا بالفعل، لكن تم صياغتها في تلك التجارب بطريقة أبسط. تمامًا مثلما نقابل أشخاصًا في الحياة مثل صديق أو قريب أو حتى عامل تراه في الشارع، فنستلهم من طريقة تعاملهم مع الحياة شيئًا ينقصنا أو لا نراه.

إن الحكمة أو التأملات الفكرية لا نستمدها فقط من أفواه الفلاسفة أو الكُتّاب الكبار المشهورين، أو حتى بناء على أبحاث ودراسات موضوعية، لكن هذا ليس معناه أن نتجاهلها بالطبع، بل هي أساسية جدًا أيضًا بنفس أهمية التجارب الحياتية غير الموضوعية! لماذا؟ لأنها تساعدنا في وضع تلك التجارب الحياتية في إطار موضوعي، فلا نُضخّمها أو نعطيها أكبر من حجمها، ولا نحتقرها فتضيع علينا فرصة إيجاد معنى نستيطع أن نراه بشكل عملي. هذا المزيج مهم جدًا كي لا تكون أحكامنا على الحياة إما أكاديمية جدًا أو عاطفية جدًا.

ورغم أن هناك الكثير من المعلومات أو الحقائق أو القيم الموجدة بالكتاب لم تكن جديدة بالنسبة لي حيث كنت أعرفها بالفعل، إلا أنني لا أستطيع تجاهل حقيقة أن الكثير من المحيطين بنا إما أنهم غير محيطين بها، أو أنهم على دراية بها لكنهم يتجاهلونها. وإلا فكيف نُفسّر بأن هناك من يُقدم على فعل سيء وهو على الرغم بدرايته بسوء الفعل، إلا أن ذلك لا يمنعه من ارتكابه!

قد لا يناسبك الكتاب أو قد يُناسبك، لا أستطيع ضمان ذلك لكم، لكنني أراه كتابًا جيدّا ومُهمّا كمحاولة للحد من طوفان مواضيع تطوير النفس وزيادة جرعة الإيجابية فيها لدرجة قد تجعل الفرد غير قادر على تحمّل أي صدمة أو معاناة في الحياة. هذا الكتاب يحث على أشياء أصبحت تتقلص من ثقافة جيل الشباب، أشياء مثل تحمّل المسؤولية وتقبّل الألم والخسارة. يحث على عدم الإنسياق وراء الشعور بدور الضحية أو بدور الفاشل، والذي تعززه مواقع التواصل الإجتماعي هذه الأيام.

ملحوظة… هناك بعض الأفكار في هذا الكتاب متشابهة جدًا مع ما قرأته لأحمد العسيلي في كتابه المكتوب بالعامية المصرية “كتاب مالوش اسم” المنشور في عام 2009 خاصة في الفصول التالية “عايز إيه؟”، “السعادة”، “بيقولوا عليّا إيه؟”، ” كل حاجة صعبة”.

نقطة أخيرة… واضح جدًا الجهد الكبير الذي قام به المُترجم الجميل الحارث النبهان، والذي نقّح كتاب “فن اللامبالاة” من الأسلوب السوقي والشتائم البذيئة في النسخة الأصلية باللغة الإنجليزية. الترجمة فعلًا رائعة مُميّزة راقية. فشُكرًا للمترجم.

أنصح بقراءة الكتاب، ليس ككتابًا عظيمًا… لكن ككتاب قد تجد فيه بعضًا منك!

التقييم العام للكتاب

أنصح بقراءة الكتاب، ليس ككتابًا عظيمًا... لكن ككتاب قد تجد فيه بعضًا منك! تقييمي 4 من 5

تقييم المستخدمون: 3.18 ( 2 أصوات)

أحمد فؤاد

‏‏‏‏كاتب... أرسم حروفًـا على الورق لخلق بُعد آخر لهذا العالم. مُهتم بأجهزة القراءة الإلكترونية.

-

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى